البناء العصبي الوراثي للشخصيةتربويةعائليةنفسية

السرقة لدى الأطفال والمراهقين بين التفسير النفسي التقليدي ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

تثير بعض حالات السرقة لدى الأطفال والمراهقين حيرة كبيرة لدى الأهل والمعلمين، خاصة عندما تحدث في ظروف لا يبدو فيها سبب واضح. فكثير من الآباء يذكرون أنهم يوفرون لأبنائهم ما يحتاجون إليه، ومع ذلك يكتشفون أن الطفل أو المراهق قد سرق شيئًا من المنزل أو من المدرسة أو من أحد الأصدقاء. وفي هذه الحالات يتكرر السؤال نفسه: لماذا يفعل ذلك رغم أنه لا يحتاج إلى ما يسرقه؟

في كثير من الأحيان تُوصف هذه الحالات بأنها نوع من “السرقة المرضية” أو اضطراب في السلوك، لكن الواقع النفسي أكثر تعقيدًا من هذا التفسير المبسط. فالسرقة في هذه المرحلة العمرية قد تكون لها دوافع متعددة، بعضها يتعلق بطبيعة المرحلة النمائية نفسها، وبعضها يرتبط بتركيبة الشخصية والدوافع الداخلية التي تحرك السلوك.

ولهذا فإن فهم هذا النوع من السرقة يتطلب النظر إليه من زاويتين: زاوية الممارسات النفسية التقليدية التي تفسره في إطار الاضطرابات السلوكية أو صعوبات الضبط الانفعالي، وزاوية منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي يحاول فهم السلوك في ضوء التركيبة العصبية للشخصية والدوافع الفطرية المرتبطة بها.

السرقة لدى الأطفال والمراهقين في الممارسات النفسية المعاصرة

في علم النفس المعاصر يُنظر إلى السرقة لدى الأطفال والمراهقين غالبًا بوصفها سلوكًا اندفاعيًا أو تعبيرًا عن صعوبة في ضبط الدوافع. وقد تُدرج أحيانًا ضمن اضطرابات السلوك أو المشكلات الانضباطية المرتبطة بمرحلة النمو.

وفي الأدلة التشخيصية الحديثة مثل DSM-5 قد يُفسَّر هذا النوع من السلوك ضمن إطار اضطرابات السلوك أو بعض اضطرابات التحكم في الدوافع، خاصة إذا تكرر الفعل أو صاحبه سلوك عدواني أو تحدٍ للسلطة.

وفي هذا الإطار تميل الممارسات العلاجية إلى التركيز على تعديل السلوك من خلال:

  • وضع حدود واضحة للطفل أو المراهق
  • تطبيق نظام للمكافآت والعقوبات
  • تدريب الطفل على تحمل المسؤولية
  • في بعض الحالات اللجوء إلى العلاج النفسي أو الأسري

وقد تساعد هذه الأساليب في الحد من السلوك، لكنها كثيرًا ما تركز على الجانب السلوكي الظاهر دون فهم عميق للدوافع النفسية التي تقف وراءه.

لماذا يسرق بعض الأطفال رغم عدم حاجتهم؟

عند التعمق في الحالات الواقعية نجد أن السرقة لدى الأطفال والمراهقين قد تنشأ عن مجموعة واسعة من الدوافع النفسية والاجتماعية. وقد يبدو السلوك بلا سبب واضح، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة نفسية معينة.

تحدي نظام الأهل

من أكثر الأسباب شيوعًا لدى المراهقين هو الرغبة في تحدي سلطة الأهل أو القواعد المفروضة عليهم. ففي مرحلة المراهقة يبدأ الفرد في البحث عن استقلاليته وإثبات ذاته، وقد يتخذ هذا التحدي شكل سلوكيات مخالفة للقواعد. في هذه الحالة لا تكون السرقة مرتبطة بالحاجة إلى الشيء المسروق بقدر ما تكون وسيلة لإثبات القدرة على كسر النظام المفروض عليه.

الرغبة في الظهور بأقل مجهود

في بعض الحالات قد يلجأ الطفل أو المراهق إلى السرقة لأنه يريد الحصول على أشياء تمنحه مكانة بين أقرانه دون أن يبذل الجهد المطلوب للحصول عليها. فقد يشعر أن امتلاك بعض الأشياء يمنحه قبولًا اجتماعيًا أو يجعله يبدو أكثر أهمية أمام أصدقائه. وهنا تصبح السرقة وسيلة مختصرة لتحقيق صورة اجتماعية معينة.

الشعور بالحرمان

الحرمان ليس دائمًا حرمانًا ماديًا فقط، بل قد يكون حرمانًا عاطفيًا أو اجتماعيًا. فالطفل الذي يشعر بالإهمال أو بعدم الاهتمام قد يلجأ أحيانًا إلى سلوكيات غير مقبولة كوسيلة غير واعية للتعبير عن هذا الشعور. وقد تكون السرقة في هذه الحالة محاولة لملء فراغ نفسي أكثر من كونها رغبة حقيقية في الشيء المسروق.

معاقبة الأهل بطريقة غير مباشرة

في بعض الحالات قد يستخدم الطفل أو المراهق السرقة كوسيلة غير مباشرة لمعاقبة الأهل أو التعبير عن غضبه منهم. فقد يشعر بالظلم أو القسوة أو عدم الفهم، ويجد في هذا السلوك طريقة لإيذاء الأهل أو إحراجهم. وهذا النوع من السلوك لا يكون عادة تعبيرًا عن خلل أخلاقي بقدر ما يكون تعبيرًا عن صراع نفسي داخل الأسرة.

حدود التفسير التقليدي

رغم أن هذه التفسيرات تقدم فهمًا جزئيًا للظاهرة، فإنها تظل غالبًا مرتبطة بالظروف البيئية أو أساليب التربية دون النظر بعمق إلى طبيعة الشخصية التي تمارس هذا السلوك. فبعض الأطفال الذين يتعرضون للحرمان أو الصرامة التربوية لا يلجؤون إلى السرقة إطلاقًا، بينما يفعل ذلك آخرون في ظروف أقل صعوبة. وهذا يشير إلى أن البيئة وحدها لا تفسر السلوك بشكل كامل. وهنا يظهر دور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية في تفسير هذه الفروق بين الأفراد.

السرقة في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

ينطلق منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية من فكرة أساسية مفادها أن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه بمعزل عن التركيبة العصبية للشخصية. فكل شخصية تمتلك بنية عصبية تحدد طريقة تعاملها مع السلطة والقيود والضغط الاجتماعي والرغبة في القبول أو التميز. ومن هذا المنظور لا يُنظر إلى السرقة لدى الأطفال والمراهقين بوصفها اضطرابًا عامًا، بل بوصفها سلوكًا قد يظهر لدى بعض التركيبات الشخصية أكثر من غيرها.

السرقة كتعبير عن الميل إلى التحدي

في بعض الشخصيات التي تميل إلى كسر القواعد واختبار الحدود قد تظهر السرقة كنوع من التحدي للنظام الأسري أو الاجتماعي. هذه الشخصيات لا ترى القواعد دائمًا بوصفها مرجعًا ثابتًا، بل تميل إلى اختبارها أو تجاوزها لمعرفة مدى قدرتها على التحكم في الموقف. وفي هذه الحالة لا يكون الهدف الحقيقي هو الشيء المسروق، بل الشعور بالقوة أو الاستقلال الناتج عن كسر القاعدة. هذه الشخصيات يكون غالبًا من ضمن تركيبتها الشخصية المعادية (المقتصة).

السرقة كوسيلة للحصول على القبول الاجتماعي

في تركيبات شخصية أخرى قد يكون الدافع الأساسي هو الرغبة في القبول الاجتماعي أو الظهور أمام الآخرين بصورة معينة. فالمراهق الذي يشعر أنه أقل مكانة بين أقرانه قد يلجأ إلى الحصول على أشياء تمنحه شعورًا بالتفوق أو الانتماء إلى المجموعة. وهنا تصبح السرقة وسيلة لتعويض شعور داخلي بالنقص أو التهميش. وهذه الشخصيات على الأغلب تجمع بين الشخصية النرجسية (القيادية) والارتيابية (الشرطية).

السرقة كتعبير عن ضغط داخلي

بعض الشخصيات التي تعاني من ضغط نفسي أو انفعالي مرتفع قد تلجأ إلى سلوكيات اندفاعية كوسيلة لتفريغ التوتر. وقد تكون السرقة في هذه الحالة فعلًا لحظيًا يهدف إلى التخلص من الشعور الداخلي بالضغط. وهذا النوع من السلوك يشبه في طبيعته بعض السلوكيات الاندفاعية الأخرى مثل الإفراط في الإنفاق أو المخاطرة وهي قد تقع في إطار إيذاء النفس الذي يحدث فور الدخول في نوبة إجهاد الشخصية الحدية. هذه الشخصيات بغض النظر عن تركيبتها الثنائية أو الثلاثية هي غالبا تشترك في الشخصية الحدية.

الفرق في التعامل مع المشكلة

يظهر الفرق بين الممارسات النفسية التقليدية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية بوضوح في طريقة التعامل مع هذه الحالات. ففي الممارسات التقليدية يكون التركيز غالبًا على:

  • تعديل السلوك
  • فرض العقوبات
  • تدريب الطفل على احترام القواعد

أما في منهج البناء العصبي الوراثي فيتم التركيز على فهم الدوافع الشخصية التي تقف وراء السلوك. فإذا كان السلوك ناتجًا عن تحدي السلطة، فإن التعامل معه يتطلب إدارة العلاقة مع السلطة بطريقة مختلفة. وإذا كان مرتبطًا بالشعور بالحرمان، فإن الحل يكمن في معالجة هذا الشعور بدل الاكتفاء بمعاقبة السلوك. وبذلك يصبح الهدف ليس مجرد منع السرقة، بل فهم الرسالة النفسية التي يحملها هذا السلوك.

فهم السلوك قبل الحكم عليه

إن السرقة لدى الأطفال والمراهقين قد تبدو أحيانًا سلوكًا بلا سبب، لكنها في الواقع غالبًا ما تكون نتيجة لتفاعل معقد بين الظروف البيئية والبنية الشخصية للفرد. وفي حين تركز الممارسات النفسية التقليدية على تعديل السلوك الظاهر، يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية إطارًا أعمق لفهم الدوافع التي تقف وراء هذا السلوك. هذا الفهم لا يبرر السرقة ولا يقلل من ضرورة وضع حدود واضحة للسلوك، لكنه يساعد على التعامل مع المشكلة بطريقة أكثر وعيًا وفعالية، لأن فهم الجذور الحقيقية للسلوك يفتح الباب أمام حلول أكثر دقة واستدامة.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى